أن تعيد كتابة القصة

اليوم ذاته يكرر نفسه. يخبو المعنى، وفي محاولة للسطوع، يطفو سناء الشمس فوق الأسطح المعدنية للسيارات، يقترب الصيف وأشعر بالعمر يتسرب مني، أعبر اللحظة وأصادق القلق وألتقي بحياة لا تشبهني، ويتجه بي هذا العمر باتجاه واحد، نحو الأمام، ولا أعود للخلف الذي يخصني إلا لأكتب عنه شيئًا، ولا أعود للخلف الذي يخص الآخرين، إلا لأقرأهم فيه.

في الاسبوع الماضي، أثناء بحثي عن كتب مذكرات جيدة، عن الانعكاسات الذاتية والنظر إلى الداخل، قرأت كتاب «مذكرات فتاة» للكاتبة الفرنسية آني ارنو. في كتابها هذا، تكتب ارنو بعد أن تجاوزت الستين عن صيف من أصياف أواخر مراهقتها، تقبض في الكتاب على زمن محدد، وتمسكه جيدا لتنفض عنه ما تراكم من السنوات، فلا يتبقى من هذا الحدث سوى نصوص تشريحية للماضي الذي وقع، والأنا التي كانت، في حضور كامل أو غياب تام للآخر. وفي خط متوازي للأسلوب الانعكاسي الغارق في الواقعية الخاص بإرنو، أتذكر رواية النظر إلى الداخل عن كثب وإلى الخارج لكن عن بعد، «مكان ثان» للكاتبة الكندية رايتشل كاسك، لارنو وكاسك ذات النبرة الانثوية بخصلات الشعر الرمادية، والتجربة المعاشة من كل الألوان، في صورة كاملة للحب الذي يبدأ بالمعرفة، ويكبر بها.

في السينما، للمخرج الايطالي بابلو لاراين مشروع إخراجي في هذا المعنى، شكّل حتى الان ثلاثية ضمت الافلام التالية على الترتيب: «جاكي-٢٠١٦»، «سبنسر-٢٠٢١»، «ماريا-٢٠٢٤»، المعنى الكامن في منح الاهتمام لفترة زمنية واحدة، وروايتها كقصة كاملة، من الداخل إلى الخارج، بالبيرسونا والايقو، رعاية كل تفاصيل هذه الفترة من حياة شخصية يعرفها الجميع، ثم بث الحياة فيها، وبعثها من جديد، في إحياء ممتن لكل الألم والندم والحقيقة وما دونها. لاراين في رؤيته الاخراجية، ينأى عن ركوب موجة أعمال السيرة الذاتية، التي هي أعمال الحياة الكاملة، حياة وموت، صعود وسقوط، ويتجه نحو رواية الجزء من الكل، القصة من الحياة، الحياة من العمر.

أن تعيد كتابة القصة، أن تنظر إلى المشروع الانساني كمجموعة من القصص تفصل ما بينها مسافات زمنية، كل قصة تبدأ وتنتهي ليبدأ غيرها، وليس عليك أن تعلق في درب واحد، أو زمن واحد، أو أنا واحدة. لذلك، ليس كليشيه ما يقوله المبتهجون دوما: ”كل يوم جديد هو بداية جديدة“، حقيقة مجردة، وبعيدا عن التجريد، حقيقة يتسع معناها باتساع سماحك لنفسك بالتسليم، وإنهاء القصة.