في كتابه «سقوط الجدار السابع: الصراع النفسي في الأدب» يتحدث الراحل حسين البرغوثي عن المعنى الشخصي في رسالة أدبية قصيرة، ويطلق على هذا المعنى الشخصي مصطلح (السبب الرئيسي). وبعد معاناة مع المرض، يرحل حسين بكل أسبابه الرئيسية ويترك خلفه بترا وآثر وتريكة أدبية شخصية أسماها «سأكون بين اللوز»، كانت آخر ما كتب. وبضعة مؤلفات شبه سيرة ذاتية/semi-autobiography أخرى كـ «الضوء الأزرق» و «الفراغ الذي رأى التفاصيل».
قرأت الضوء الأزرق لأول مرة قبل ثمانية سنوات، بنسخة الكترونية مقرصنة، ولا أتذكر شيئا غير الجدة التي فاجئتني في أسلوب النثر الشعري، على شكل السرديات اليومية لذكريات وتأملات ذاتية ذات بعد حقيقي، ومحاولات مكثفة لمقاربة الخارج للداخل. وبعد عدة سنوات، وعدة ولادات جديدة للذات بعد غياب كل معنى، توفرت في الشتاء الماضي جميع مؤلفات حسين البرغوثي لدى تكوين عن الدار الأهلية، لأشتريهم، بما فيهم الضوء الأزرق. ثمانية سنوات بين قراءتي الأولى، والثانية، ولا تزال كلمات حسين البرغوثي كما أتذكر، شفافة وحقيقية وتنظر نحو أقصى الداخل.
في الحديث عن المسألة الوجودية للمعنى، هناك الاتجاه النفسي والاتجاه الفكري. اتخذ الاتجاه النفسي نواح تطبيقية كما في العلاج الوجودي. واعتنى به يونغ في مفهوم الفردية/individuation. في غياب المعنى، يموت الايقو، وفي موت الايقو، ولادة جديدة كليا، ولكن ليس على كل حال. من اللحظة التي يبدأ بها المعنى بالغياب، إلى الموت الحتمي للأنا، إلى الولادة الجديدة، نتحدث هنا عن بضعة سنوات على أقل تقدير، عن عملية بلورة الذات في كل صعود وسقوط، تشافي من النقطة صفر، انتكاس، تشافي من المنتصف، أزمات وجودية حادة، والكثير الكثير من كامو وسارتر. وسنة تلو السنة، حتى تدرك أن الأهم من البحث عن المعنى، هو أن تتعلم أن تحيا، تحيا حقًا، رغم غياب المعنى. أن تهدأ حين تقرأ لغوته، وأكثر أكثر لبيسوا. أن تتعلم كيف تعيش من جديد، أو لأول مرة.
ستقف من بعيد، بعد مرور السنوات، لتنظر إلى ذات المنظر من الضفة الأخرى للزمن، ولن تصدق كم يبدو رائعا، فقط من الجهة الأخرى. ولن تصدق كيف يمكن أن يتحول هذا القلق الوجودي إلى إسهام وجودي، وحياة بطيئة، وعقل هادئ، وقلب ممتلئ، ويفيض. وفي وسط هذا كله، أتذكر بو نورة، وهذا التساؤل الوجودي الذي يستوقفني في كل مرة، في أغنية «اختلفنا»: «الحياة.. ايش الحياة؟ إلا مشاهد ناظريك.»، لدى البعض، يكمن المعنى هناك، للروح والروح. أما بالنسبة لنا، فلا حقيقة نصدقها، حتى الآن، سوى أننا هنا، وأن هذه الحياة تحدث، ولا بد وأن تعاش، بالعنف والعنفوان، بالوحشية والالفة، نحن هنا، وهذه الحياة لا بد وأن تعاش. «اللهم فلتشهد، اللهم فلتشهد. وليغن الجبل.»
